cool



شاطر | 
 

 انتباهـــة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
????
زائر



مُساهمةموضوع: انتباهـــة   الثلاثاء أبريل 28, 2009 11:07 pm

فتحت له الباب، فبادرها متسائلاً باهتمام:‏

ـ ما الأخبار؟ كيف حاله؟‏

أجابته، وعيناها تنأى عنه:‏

ـ لا جديد، حالته تسوء يوماً بعد آخر.‏

أشارت إليه بالدخول، ثم قالت:‏

ـ تفضل.‏

خطا إلى الداخل، ثم استدار ليدخل الغرفة الفسيحة، توجه نحو السرير الذي يرقد عليه المريض، وقف أمامه، رآه شبحاً ممدداً على فراشه، وجهه، يذكر بالفناء والعدم، كانت يداه مسبلتين إلى جانبيه، وأنفاسه تتسارع تارة، ثم تعود لتبطئ تارة أخرى، أحس برهبة الموت المخيمة على هذا الكائن، كانت هي تجفف جبهته وتمرر المنديل الورقي على شفتيه، خاطبها بصوته الثابت:‏

ـ إنه أسوأ بكثير مما كنت أظن.‏

تهدل شعرها الأسود الغزير على كتفيها، أزاحت بعضاً من خصله عن جبينها وعينيها، فبدأ وجهها متعباً ومتجهماً، لكنه لم يفقد سحره القديم، ركزت نظراتها على وجه زوجها، ثم همست بأسى:‏

ـ توقفت ساقاه تماماً، لم يعد يحركهما، قال الطبيب الذي رآه يوم أمس، إنه العجز في الكليتين يكاد أن يكون كاملاً، ونسبة اليوريا في الدم تجاوزت 120.‏

كمن يداري مشاعر تدفقت مسرعة في أعماقه حاول أن يزيحها جانباً قدر ما يستطيع، تساءل مرة أخرى:‏

ـ وهذه الأدوية التي تتكدس هنا؟‏

أشار إلى طاولة، وضعت بجانب سرير المريض، أجابته:‏

ـ إنها مقويات من مختلف الأنواع.‏

ـ هل يتناولها في أوقاتها المحددة؟‏

أجابته وكأنها تنشج:‏

ـ إنني أصارع وأتحايل عليه كي يأخذ كبسولة واحدة، منذ الليلة الماضية امتنع عن كل شيء حتى الطعام القليل، أما الماء فإنني اسقيه بواسطة الملعقة الصغيرة.‏

ثم أشارت إلى كرسي قريب ليجلس عليه، تلاقت نظراتهما للحظات، إلا أنها أدارت وجهها نحو الجسد الممدد، ثم خاطبته:‏

ـ سأحضر لك الشاي.‏

أشار رافضاً، ثم تساءل:‏

ـ والآن ما العمل؟‏

ـ لا أدري، لقد أدخلته ثلاث مستشفيات، استدعيت له أكثر من طبيب، يبدو أن لا أمل في شفائه.‏

ـ إذا كنت تريدين نقله إلى المستشفى، فعلينا أن نتصل بالإسعاف، ثمة خطورة أكيدة في نقله بسيارة عادية، وأعتقد أن المغذي يفيده كثيراً في مثل حالته هذه.‏

هاجمتها عيناه (شبت، كما شبت أنا، وبان على قسمات وجهك حصاد السنين الماضية، لكن جنوني بك، ما زال يعربد في الأعماق كما هو بل وأكثر، لم تضعفه السنون التي انصرمت، تخليت عني في اللحظة التي كنت احتاجك فيها إلى جانبي، واخترت كمال هذا، لقد تعودت أن ألطم الدنيا على أنفها، أشتبك معها، أقاتل حتى أمسك بيدي ما أريد، لكنني خسرت المعركة معك، لأنها معركة اختيار وليست شجاراً، وكنت أعلم أنك لن تسعدي معه، هل تذكرين آخر مرة التقينا فيها قبل مرضه، في سفرة المكتب الذي نعمل فيه إلى بحيرة الحبانية، تكلمت العيون طويلاً، قلت ما أريده، وقلت أنت ما تريدينه كذلك، ثم رأيته يتداعى، أتعبه السكري، نخره كما تنخر حشرة السوس عموداً من الخشب، لكم حذرته في حينها، ولأكثر من مرة، لكنه لم يرعو، لن أقول أبداً من يضحك أخيراً، كلا، لن أكمل ما تبقى من هذا المثل، لكنني صاحب حق فيك، وها نحن نتقابل منذ أن أعجزه المرض عن الحركة، قبل أكثر من شهر، وكل ما قدمته لك، لك أنت أولاً، أما الزمالة القديمة والتي حرصت عليها لأجلك، فتلك قصة أخرى). قطعت عليه تداعياته:‏

ـ لقد حرك رأسه.‏

ثم خاطبته بنعومة، وهي تنحني عليه:‏

ـ كمال، كمال، تنبه قليلاً، كلم هشام، كلمه أرجوك.‏

كانت تتوسل إليه، بهره المنظر، توزعت نظراته الجائعة الملتاعة على جسدها المنحني فوق المريض، ثم حطت على مؤخرة ظهرها، كانت تتطلع إليه وهي تتضرع كأنها تتعبد، كانت تتلفع (بروب) وردي، طرز بزهور ناعمة، فبدت من خلاله كأنها حديقة صغيرة رائعة، نهض واقفاً ثم خطا إلى الأمام، صار بجانبها، انحنى قليلا،التفتت، فصافحت وجهها أنفاسه الحارة اللاهثة، توسلت بعينيها وهي تقول "هشام كلمه، قل له أي شيء، لعله يتنبه، إنني متعبة، متعبة يا رب".‏

أحرقت وجهه أنفاسها الحارة الناعمة، رأى شفتيها، تنفرجان عن آهة حرى طويلة، قال بصوت أجش، سحقته الرغبة ولونه الخوف بألوان شتى.‏

ـ كمال، يا كمال، ألا تقول شيئاً، هل تحتاج إلى طعام أو ماء أو أي حاجة أخرى؟ قل كلمة يا رجل، افتح عينيك، قل كلمة.‏

انفرجت شفتا المريض، فبانت أسنانه صغيرة منسجمة كأسنان طفل، أطلق آهة خفيفة، تراجعت هي قليلاً إلى الخلف، وبدأت تنظر إلى وجه زوجها، نظرات تائهة، تهاوت على كرسي قريب منها، وهي تكفكف دموعاً انسابت على وجهها، جففتها بمنديل ورقي كان بين أصابعها، جلس قبالتها، التقت العيون "سراب، سراب، هذا الذي نسجته بيديك، تأملي ما نحن فيه، أليست الحياة مهزلة، الفناء فيها ينتظر خطواتنا، إنها البوابة الكبيرة التي سيمر الجميع عبرها ودون استثناء".‏

حركت أصابعها، دعكتها مع بعضها، سمع طقطقتها وهي تتشابك بعضها ببعض، ثم همست:‏

ـ لا فائدة من كل شيء.‏

أجابها بصوته الواضح القوي:‏

ـ لا تيئسي، هناك دائماً أمل أو فرصة وإلا لأصبح كل شيء بتفاهة بعوضة!‏

ـ سأعطيه ماء.‏

ـ حاولي.‏

انحنت بالقدح عليه، حاولت أن ترفع رأسه، ثم جذعه، فلم تستطع، قام يساعدها، وضعت حافة القدح بين شفتيه، خاطبته:‏

ـ كمال، اشرب، اشرب شيئاً من الماء، قليلاً منه سيفيدك، هيا يا كمال، ماذا دهاك؟ حتى الماء قاطعته، نشجت وهي ترجع رأسه إلى الوسادة والقدح إلى المنضدة، ثم حاولت أن تجلس على الكرسي، فجأة أمسك بها، هاجمها في اللحظة التي كانت فيها تتهاوى، أمسك بكتفيها، قالت مستنكرة:‏

ـ هشام، ما هذا؟‏

أجاب بصوت مرتجف:‏

ـ لا عليك، لحظات وسأجعله ينتبه!‏

كان يعمل بسرعة، أصابعه تفك أزرار الروب واحدة بعد أخرى.‏

ـ لا، هشام، لا.‏

دفعته بيدين واهنتين، لكنه همس:‏

ـ لا عليك يا عزيزي سامرة، سينتبه، ثقي إنه سينتبه.‏

أحسها كما لو كانت قطعة من الإسفنج بين يديه، خارت قواها، تسارعت أنفاسها، تجمع الزمن في لحظة جنون هائلة.‏

ساد صمت ثقيل، كانت وطأته رهيبة على كل الأشياء، فتح المريض عينيه أول الأمر، حرك رأسه باتجاههما، تنفس بعمق، اتسعت الحدقتان، بعد أن رأى الصورة كاملة، رفع رأسه قليلاً، قال هشام وهو ينظر إليه خلل شعرها الغزير:‏

ـ ألم أقل لك لقد بدأ ينتبه!‏

حاول المريض أن يقول شيئاً، أن يتفوه بكلمة، أن يخرج صوتاً، ها هو يرفع رأسه إلى أقصى حد يستطيع، ثم وبسرعة يهوي نحو الوسادة.‏

ران هدوء موبوء على جو الغرفة، صمت يطلق الموت خلله ضحكات ساخرة، لا نهاية لها.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
انتباهـــة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
cool :: منتدى التسلية :: منتدى الحكايات-
انتقل الى: