cool



شاطر | 
 

 آدم

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
????
زائر



مُساهمةموضوع: آدم   الثلاثاء أبريل 28, 2009 11:18 pm

كنا نرهف السمع، كي نفهم كل كلمة يقولها آمر وحدتنا، كان صوته حاداً وقاطعاً في آن واحد. تصافحت نظراتنا وهو يوجه الكلام إلي اخترناك ورفاقك من بين اللواء وكتائبه وسراياه وفصائله، وانتخبت دبابتك (آدم1)، البطلة من بين رعيلك لتقوم بالمهمة، وأقول لكم إنها مهمة خطرة وشاقة جداً، ولكننا اخترنا الأفضل والأكثر شجاعة وتجربة، غداً وعند خيوط الفجر الأول، سيندفع رعيلكم، تتقدمه (آدم 1) نحو عقدة الساتر لتجتاحه وتفسح الطريق أمام دبابات رفاقك، كن حذراً ومقداماً كما عهدناك، تذكر الساعة الخامسة فجراً.‏

في مواجهات سابقة وخطرة، نجوت منها بما يشبه الأعجوبة، هذه المرة، أنت محاصر أيها البطل، بموت حقيقي، لقد عرفت الموت من خلال مواجهته معرفة خبير، جرب التعامل معه على كل المستويات وفي كل ساحاته، تجسد أمامي في أكثر من صورة ولون، رافقني كما لو كان ظلي، كنت أراه ساخراً أو ضاحكاً ملء شدقيه، مرة، وصاخباً مجنوناً في مرات عديدة، أو جاداً رصيناً وهو يلتقط أهدافه دون رحمة، بل إنني لكثرة ما صادفته، وتعودت على تصرفاته، صرت أتحدث إليه، أخاطبه، أهمس في الفضاء الضيق الذي كان يجمعنا في أوقات كثيرة، ومع كل هذه الرفقة، لم أتآلف معه أو أحتفظ بمشاعر محايدة نحوه، لكن هذه المرة، الوضع مختلف واللقاء كذلك، ستحتدم المعركة بيننا، بحيث تصبح كل الأشكال شكلاً واحداً، وكل الألوان لوناً واحداً، أعتقد أنك ستسعد بها، أيها الكريه البشع.أتساءل بإصرار، لماذا تلاحقني بلا هوادة؟.. ماذا تريد؟.. وماذا تبغي؟ ألا تعلم أن العمر ما زال في ربيعه؟.. هناك متسع من الوقت يا هذا! هناك آمال لم تتحقق بعد، وهناك طموحات ينبغي لي أن أغذ السير نحوها، هناك الأخوة والأخوات والأصدقاء الذين ينتظرون عودتي، هناك قريتي الرائعة الهادئة الغافية على شاطئ الفرات الرائع، تتدفق نواعيرها بالخير لتروي الحياة، آه، لماذا أتذكر الآن كل هذه الأشياء؟ أما مدرستي الابتدائية فلها في الذاكرة حيز خاص جداً، كان الطريق إليها شاقاً وعسيراً، وكانت قدماي تتجمدان من شدة البرد في فصل الشتاء، وأنا أطوي لك الطريق الموحش الطويل، كان مدير المدرسة، رجلاً مخيفاً، نهابه ونبتعد عن طريقه، إلا أني رأيت منه شفقة ورحمة، لم يخطر ببال أحد من أولئك الصغار الذين يجلسون معي في الصف ذي الجدران الطينية الباردة، لقد عمل هذا المدير الإنسان، المستحيل حتى نقلت إلى مدرسة قريبة من بيتي، كان طريق النهر قد جمع كثيراً من الأصدقاء، ونحن ندلف إلى بدايات الشباب، ذكريات ساذجة وأحلام بريئة، تلك أيام أتذكرها الآن بمنتهى الحب والزهو والألم، كانت أجمل الأيام وأحلاها وأكثرها براءة ونقاء، كان كل ما يحيط بي في تلك الفترة من سنوات العمر، يدعو إلى الدعة والهدوء وكنت قد بدأت أطالع الكثير من الكتب والمجلات التي كانت تقع تحت يدي، كان أخي الكبير يجلبها معه إلى البيت، كان شديد الولع بمطالعة الكتب والمجلات التي كانت تصلنا في ذلك العهد البعيد عني الآن، الله.. الله، ماذا أرى؟... وماذا يجري أمام ناظري؟، إنه والدي، رباه أتساءل، ما الذي جاء بك أيها الحبيب إلى هذا المكان الموحش؟، أكاد أجن، إنه يخاطبني، يقترب مني يربت بيده المعروقة على كتفي، يقبلني في جبيني، يهتف في سمعي ولدي كمال، كن حذراً وحافظ على نفسك، لا تمزق ما تبقى لي من قلب، اعذرني يا أبي وقل لي كيف وصلت إلى هنا؟.. أنا أعلم أنك قد رحلت عنا منذ سنوات، فما الذي جاء بك؟.. أهي القيامة ياوالدي، رباه، إنني أجن، تلك أمي تضع يديها فوق رأسها صارخة، ولدي كمال، هل صممت على اللحاق بأخيك ياسر؟.. في هذا المدى المسكون بالموت والوحشة، انطلق صوت صديقي ورفيقي في السلاح غني عبد الله:‏

- انتظر، ها أنا قادم إليك.‏

لحق بي، طوقني بين ذراعيه، وضعت رأسي على صدره العريض، بدأ دبيب راحة يسير في شراييني، كنت أسمع دقات قلبه المتسارعة، الفجر آت، ومشاعري كمطر يهطل على كياني من كل الجهات، قلت من بين ركام تلك المشاعر:‏

-غني، لقد زارني والدي، رأيته يناديني ويطلب مني أن أكون حذراً ودموع كبيرة تملأ عينيه، كذلك رأيت والدتي وكانت تخاطبني بألم (كمال هل ستلحق بأخيك) ياسر؟...‏

-قل لي ما هو الوقت الآن؟... وكم بقي على موعدنا؟..‏

-مازال هناك بعض الوقت، يفصلنا عن فجرنا القادم.‏

هتفت مسكوناً بمشاعر غامضة:‏

-غني، أريدك خلفي كما هو الحال في المرات السابقة، لقد قاتلنا معاً طوال السنوات الماضية وواجهنا الموت مرات عديدة، هذه المرة أرى أن الأمر مختلف!... إن هذه العقدة التي يسيطر عليها العدو منذ فترة طويلة لابد لها أن تنتهي.‏

أجابني مطمئناً:‏

-سأكون معك، وخلفك، إن دبابتي كانت ولسوف تبقى دائماً بمعية(آدم 1)، البطلة، وأنت تعلم كيف يصوب غني عبد الله نحو الهدف، وخلفنا ذلك الرعيل البطل بشبابه الذي خبر المعارك طيلة السنوات السابقة.‏

-لدينا خارطة الألغام، عرفنا بها من أسير كانت قواتنا قد أسرته قبل يومين، سأختار الحافة القريبة من الساتر، وعندما اقترب من تلك العقدة، سأنطلق بأقصى سرعتي.‏

دلفا داخل الموضع القريب، دخنا بصمت ثم شربا شاياً ثقيلاً، كانت ثمة رشقات من مدافع رشاشة تمزق الصمت الشفيف المحيط بهما، كان الوقت يمضي سريعاً وكنت أدخن بإفراط، صارت سكائري هي ملهاتي! في هذه الآونة، قام غني بعد أن أطفأ سيكارته قائلاً:‏

-سأحاول أن أنام، بعض الوقت؟.. أفزعني كلامه، صرخت به:‏

-ماذا تقول، تنام، كيف تنام؟...ومن أين يأتيك النوم؟..‏

رفع يده مبتسماً وكلماته تتساقط بطيئة:‏

-حاول أن تنام ولو لدقائق، وداعاً.‏

وحيداً، أتساءل بألم، لماذا تزورونني كلكم هذه الليلة، هل تودعونني. غريب هذا الذي يحدث كيف تسنى للأحياء والأموات أن يلتقوا، كي يقوموا بزيارتي! رأيت والدي وأخي ياسراً، كذلك أصدقائي أيام طفولتي وكذلك أيام الدراسة في الجامعة، الله... الله، أين أنت يا نوال؟.. ترى ماذا تفعلين الآن؟... هل تزوجت وأنجبت؟... هل سميت ابنك (كمال) كما وعدتني بذلك؟، وأنت يا سامرة، يا ألمي الذي لا يبارحني، لقد مضيت دون أن تقولي كلمة واحدة، وبرغم الجرح الناغر في الأعماق، فإن حبك لم يبارح العقل والقلب أبداً، سامرة، لماذا تنظرين إلي بعينين حزينتين؟.. هل تعلمين ما سأقوم به بعد حفنة من زمن يمضي سريعاً؟.. وهل تعرفين ماذا سيحدث لي في القادم من هذا الزمن الغريب؟.. أريد أن أعرف لماذا تحاصرونني جميعكم بهذه النظرات الحزينة المنكسرة؟.. أهو الوداع الأخير؟... ربما، لكن شيئاً ما يهتف في أعماقي، إنني سأخرج من هذا الموقف سليماً معافى كما في المرات الكثيرة السابقة، إن (آدم1) ستكون وكما كانت، فرسي الأصيلة، التي أنجز بها ومن خلالها تلك المهمة الخطرة. خلال فتحة الموضع، شملت نظراتي المكان المحيط بي، رأيته كئيباً يتلفع بسكون مرعب ومريب، ينشر ظله على ساحات الأفق الواسعة، خرجت من الموضع، هبت أنسام باردة، تخللت عظامي، فأحكمت إغلاق قمصلتي على جسدي، توجهت نحو دبابتي، وضعت يدي على برجها وسرفتها، مسحت على الحديد البارد بيد رقيقة، تخيلتها جواداً أدهم، أمتطيه الآن، ليطير بي نحو عوالم بعيدة، جميلة، ملونة، عوالم، لا تعرف الموت ولا الدماء، ولا الأشلاء، ترى ما الذي ذكرني الآن (بأنتيكونا).‏

هذه البطلة التي رفضت أمر خالها الملك، لتقوم بدفن جثة أخيها، أية أفكار تهب على عقلي المتعب الآن. ينبغي لي أن أرتاح، نعم، أن أحصل على شيء من الراحة، أيقظني من تداعياتي، صوت الملازم الأول جمال قائلاً:‏

-هيا، لم يبق لنا غير دقائق قليلة تفصلنا عن المهمة، الجميع على أهبة الاستعداد يا كمال.‏

سمعت صوت غني، واضحاً وقاطعاً.‏

-أنا اخلفك تماماً يا كمال، تقدم يا بطل.‏

أغلقت البرج بعد أن أخذ الملازم جمال ورفاقه أماكنهم معي، ثم بدأت بتشغيل المحرك، دوى صوته مزمجراً في وسط ذلك السكون الذي بدأ يتمزق بفعل أصوات الدبابات الذي ارتفع هديرها في كل الأنحاء، غيرت الأرقام بوساطة العتلة، وبدأت بالضغط على دواسة الوقود، كانت ساقاي متصلبتين، كأنهما قطعتا حديد، حاولت التريث قليلاً، تنفست بعمق، سمعت ملازم أول جمال يخاطبني:‏

-هيا يا بطل وكن هادئاً.‏

أمسكت بعصا الاستدارة، وعاودت الضغط على دواسة الوقود ثانية، متجاوزاً مشاعري بكل تناقضاتها، اهتزت الدبابة أول الأمر ثم ما لبثت أن انطلقت في طريقها، صاح ملازم جمال:‏

-بأقصى سرعة ياكمال، بأقصى سرعة.‏

-نعم ياسيدي.‏

ضاع الزمن، تلاشت لحظاته، تساوى كل شيء أمامي، تماسكت تماماً وأنا أنظر إلى الطريق، هو المكان يقترب، بل إنه يجري نحوي، صوت غني أسمعه عبر جهاز الصوت:‏

تقدم يا كمال، تقدم، أنا معك، أنا معك...‏

بدأ الدوي رهيباً وشديداً، تحول الفجر إلى جحيم بلون الدماء، شددت العتلة، فانزاح مؤشر الأرقام إلى أقصاه، هي السرعة القصوى إذن، صوت غني مازال يملأ آفاق روحي، ماذا يحدث؟.. أتجاوز الفتحة من بين أمواج الهول الذي يفجر في كل الجهات ثم أشعر بجوادي يتمايل، صرخت ملتاعاً.‏

-هيا ارموا بأنفسكم إلى الخارج، بسرعة.‏

وجدت نفسي بجانب الساتر من الجهة الأخرى، كم مضى علي من الوقت؟.. كيف مرت الساعات؟.. عدت أتخيل ذلك الهول الرهيب، ثم لم أعد أشعر بشيء، فتحت عيني مرة أخرى، فتشت عن آدم، لم أجد أمامي سوى ركامٍ من حديد أسود، قلت أحادث الفراغ:‏

-لقد انتهى الأمر، ثم أغمي علي ثانية.‏

أفقت، بعد ساعات طويلة، وجدت نفسي ممدداً على سرير، حاولت النهوض، لكن غني وضع يده على جبهتي هامساً:‏

-لقد كنت أكثر من بطل، كما نعرفك دائماً، إنها إصابة بسيطة في الساق، سنكون قريبين منك، لقد سقط الساتر واستولت عليه قواتنا وهذه بشارتك.‏

حاولت الابتسام، إلا أن ألماً في الساق اليسرى سرى إلى كل جسدي، وسد علي مسارب السعادة التي تخللت كياني المهدود كله.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
آدم
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
cool :: منتدى التسلية :: منتدى الحكايات-
انتقل الى: