cool



شاطر | 
 

 شواطئ نائية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
????
زائر



مُساهمةموضوع: شواطئ نائية   الثلاثاء أبريل 28, 2009 11:23 pm

انساب الصوت العميق إلى فضاءات روحها الملتاعة وأحاسيسها الراعفة بشتى الأفكار التي روعتها وأدمت أعماقها، وتعلقت عيناها المتألقتان في سمات وجهه الذي اكتسى برقة طالما أحبتها وفي ذات الوقت أخافتها قال وهو يبعد نظراته عنها:‏

-نكمل مشروعنا الذي بدأناه منذ أيام!...‏

ثم بعد مدة صمت قصيرة، تابع:‏

-نحن الآن أصدقاء، أصدقاء، فقط هكذا اتفقنا في حينه، وكما تعلمين فإن للصداقة...‏

انقطع الصوت الذبيح بعد أن امتص صمت روحها، وأقلق لحظات راحتها، مضت تخاطب أشجار الحديقة الباسقة، وكانا يجلسان على أرجوحة، تعودت أن تهزها بقدميها هزاً خفيفاً تسرح من خلاله، مع خيالاتها البعيدة. رأته وقد أطلق خيطاً طويلاً من دخان سيكارته، وتاهت نظراته في أفق الحديقة المترامية. همس كمن يستغيث من أمر عظيم، وهدأة الليل، تنسج ألوانها العميقة الداكنة حولهما:‏

لابد من مراجعة للذات بين الحين والآخر، تلك عادة لو تحققت، فإنها تعني الكثير بالنسبة لي ولك.‏

ساد صمت قصير خدشه حفيف أوراق الأشجار المحيطة بهما، كانت في هذه الآونة تحدق في فراغ لا نهائي، تساءلت في سرها (متى وكيف بدأت هذه الهواجس الشريرة، تستوطن مخيلتك وتعشش في ظلام أفكارك التي لم أسمع بها من قبل، ترى أهذا حصاد عشرين عاماً من الحب والتضحيات؟.. عن أي شيء تبحث يا رجل؟.. أية شواطئ نائية جرفتك إليها أفكارك المستحيلة هذه؟). كانت تتعذب بصمت فداهمتها رغبة عنيفة للانضمام في نوبة بكاء طويلة، تزيل مافي صدرها من دخان كاد أن يطبق على أنفاسها، لكنها في لحظة سريعة وشجاعة قررت أن تنازله بالعقل والمنطق، وكانت لا تزال تثق بأن سحابة الشك والجنون التي تغلف عقله هذه الأيام، لابد أن تتلاشى وتزول، التفتت إليه، وكان ما يزال ينفث دخان سيجارته قائلة بصوت يمتزج في تضاعيفه الجد والهزل:‏

-هل أعددت برنامجاً جيداً لتعذيبي؟...‏

ثم استطردت بعد هنيهة:‏

-في أوقات كثيرة ماضية، كنت أحس بأنك تريد أن تقول شيئاً يقلق راحتك ويثخن أعماقك جراحاً على أية حال حاولت تجاهل كل ذلك، مستعينة بحبي لك تارة وبصبري العجيب تارة أخرى، والآن يبدو لي أنك مصمم على أن تسيء لكرامتي ومشاعري بتعمد واضح.‏

ضحكت ضحكة قصيرة، أحست كما لو أنها كانت ضحكة مهزوم، هزت الأرجوحة بقدميها، مخففة بعض قلقها ثم خاطبته بكبرياء وثقة:‏

- أعرف عم تبحث وللأسف لا يوجد عندي ماتبحث عنه، بل لا توجد في حياتي صفحات مجهولة بالنسبة لك، فلقد كتبت أنت كل صفحاتها، ومنحتك منذ أول يوم عرفتك فيه، أحلى وأجمل ما تمنح المرأة للرجل، وهبتك العقل والروح وليس لدي ما أقدمه، بل ليس باستطاعتي أن أعطيك أكثر مما أعطيت، أود أن تبقى ذلك المتفائل الذي أعرفه، أرى الآن شريط حياتنا منذ أول يوم التقينا فيه، وأرجو أن تبقى ألوانه زاهية كما كانت وكما هي في الحقيقة، أسندت رأسها على حافة الأرجوحة ثم تساءلت مكملة ما بدأت به من حديث، وكان هو قد أشعل سيجارة أخرى خاطبته هامسة وكان الليل يقطر سكوناً عميقاً:‏

عم تفتش؟.. هيه، عن قصة حب أم عن قصة عبث كنت في يوم ما بطلتها باستطاعتي أن أحدثك عن الكثير في هذا المجال فأنت تعلم جيداً، أن لي خيالاً خصباً يسعفني تماماً بما أريد، أيسرك هذا؟...‏

مدت ساقيها إلى أمام ومضت تنتظر ما سيقوله:‏

-لقد فهمت الموضوع على غير الشكل الذي أقصده تماماً، فلا أحد يشك في نفسه إلى الحد الذي يؤذيها وأنت كما تعلمين كل حياتي ما أريده بالضبط.. رفعت يدها وقالت بصوت قاطع وحاد:‏

ما تريده وما أنت مصمم عليه أعرفه تماماً، أنت تريد أن تعرف إن كانت لي قصة حب مع إنسان آخر، عرفته قبلك، كما يحدث عادة لأغلب الفتيات في سنوات الصبا المبكرة، حيث الخيالات والأحلام تمتزج معاً بحيث لا تعرف الواحدة منا، أين الحقيقة وأين الحلم، أؤكد لك أن تلك المشاعر لا تنسى بل لا يوجد في حياة الإنسان ما ينسى عادة، أليس؟ أجابها بصوت من رعشة القلق التي راودته قبل لحظات:‏

-كنت صادقاً معك إلى أبعد حدود الصدق والوضوح لقد سردت لك كل عبث أيامي الأولى وأجدني متخففاً تماماً من تلك الذكريات السابقة بكل تفاصيلها وهي ترنو إلى أصيص أمامها قالت في سرها ((لقد بدأت المعركة، ولابد لي من مواجهتها دون خسارة ثقته ورضاه)). كانت من تعلم جيداً أنه يحبها إلى الحد الذي لا تستطيع هي أن تصفه ولكنها في ذات الوقت تعلم أن كلمة صغير لا تقع في اهتمامه موقع القبول تستطيع أن تحرك بقعة مجنونة في أعماقه فيتحول في لحظات إلى وحش كاسر لذا كان عليها أن تتدبر أمرها بشكل هادئ وتختار كلماتها اختياراً دقيقاً بحيث لا تتأثر تلك البقعة بمايحول الموقف إلى انفجار.‏

خاطبت نفسها ثانية ((تدبري أمرك جيداً)). التفتت إليه وفاجأته، ممزقة الصمت الذي ران عليهما:‏

-سأقول لك وثق بما أقول، لا توجد في حياتي أسرار غريبة كما يخيل إليك، أو كما تتصور ويدمي دواخلي الآن، أن أقف أمامك كمتهمة عليها، شاءت أم أبت، أن تدلي بما عندها من معلومات ولولا حرصي الشديد على إرضائك لما تفوهت بكلمة واحدة وبعد كل هذه السنين الطويلة من الألفة والثقة والحب، قطعت كلامها ضحكة قصيرة مخنوقة بمشاعر شتى ثم أكملت:‏

-حسناً، اسمع يا عزيزي، في يوم ما، من تلك الأيام التي نسميها أيام الصبا المبكر، حيث تختلط الخيالات بالأحلام، فلا تعرف الواحدة منا، ما إذا كان الذي أمامها وهما أم حقيقة، كان جار لنا، تعرفت إليه أو هو الذي تعرف بي، تفتحت مشاعرنا الساذجة على عالم ساحر ومضى كنت التقيت به صباحاً ونحن في الطريق إلى المدرسة ونلتقي ثانية ظهراً بعد انتهاء الدوام، كنا من العفوية والسذاجة بحيث أن الكلمات كانت عبارة عن همهمة وكان الخوف يأخذ منا كل مأخذ ومع هذا كنا نسعد في تلك اللقاءات البريئة السريعة. كنت في أحيان أخرى، لا أستطيع لقاءه بسبب مجموعة الزميلات اللواتي كن معي، ماذا قلنا، وعم تحدثنا؟ لا أذكر شيئاً من ذلك، كان الخجل يلفنا، والخوف من رؤية أحد لنا، يفسد علينا حلاوة اللقاء لا أذكر من ملامحه الآن شيئاً واضحاً إلا أنه كان مؤدباً ودافئاً كان يهديني أوراداً فتجف بين أوراق دفاتري وكتبي ومرة أعطاني رسالة لم يكتب فيها سوى كلمات ساذجة من قبيل (أنا أحبك، وأنت حياتي). فوجئت في يوم يبدو الآن بعيداً تماماً كأنه غرق في زحام الزمن كانت العائلة قد انتقلت إلى مكان آخر، ومضت تلك العلاقة العابرة إلى نهايتها من دون أن تترك في دواخلي ما يستحق الاعتبار، ثم امتدت بنا الحياة ورحل بنا الزمن، فجأة وجدتك أمامي في رحاب الجامعة، فكنت مطابقاً للصورة التي استوطنت كياني، صورة الرجل الذي حلمت به والبقية من القصة أنت تكملها!...‏

صمتت قليلاً شعرت أن لا رغبة لها في قول أي شيء آخر، إنها متعبة تماماً أما هو فبدأ منفعلاً من الجو الذي خيم عليها كان صوتها رخيماً وهي تنطق كلماتها التي كانت تلامس أعماقه المضطربة أحس بالصغر أمام هذا الوجود الرائع إنه يعلم الآن كم عانت وهي تستعيد ذكرياتها البكر، ملأه حنين جارف لاحتضانها لكنه يعرف جيداً أن حالتها لا تسمح بذلك، مد يده بتردد وخوف واضحين فأمسك يدها، سمعها تنهنه، سحبت يدها لتمسح دموعاً كانت قد طفرت من عينيها في لحظة عذاب خارقة.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شواطئ نائية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
cool :: منتدى التسلية :: منتدى الحكايات-
انتقل الى: