cool



شاطر | 
 

 بعض عزاء

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
????
زائر



مُساهمةموضوع: بعض عزاء   الثلاثاء أبريل 28, 2009 11:29 pm

تجشأ بصوت مسموع كأنه النفير، فاجأته الحالة، فلم يستطع السيطرة عليها أو احتواءها أطلق شحنة من الهواء ممزوجة برائحة نفاذة لاذعة، مالبثت أن انتشرت في ذلك الجو المحدود بفضل الهواء المتدفق من فتحة النافذة، سمع همهمة وراءه التفت إلى السائق وقبل أن يعتذر إليه رآه يسدد إليه نظرة سريعة مستخفة به، وساخرة منه، كأنه يقول له:(اعلم أنك ثمل يا هذا، منذ اللحظة التي ركبت فيها السيارة وجلست إلى جانبي).‏

ملأ أعماقه خجل شديد، سيطر عليه وشلَّ حركته فقرفص في كرسيه محدقاً إلى الطريق الممتدة أمامه، توزع بصره بين السيارات التي كانت تمرق أمامه مسرعة، قال بصوت منخفض (عظيم كل شيء في هذا الكون يتحرك ويمضي مسرعاً نحو مستقره).‏

في هذه اللحظات بدأ إسفلت الشارع لامعاً مغسولاً بماء المطر كان يعكس أضواء السيارات كأنه مرآة هائلة، قطع عليه تداعياته صوت خشن يأمره بلهجة حادة(أغلق النافذة، الهواء بارد) أمسك بمقبض الزجاج ودفعه إلى الخلف ثم اتكأ ثانية على كرسيه (ماذا تقولون يا أولاد عني من المؤكد أنكم تنتظرون عودتي، ومعي العشاء الذي وعدتكم به، وها أنا ذا في الطريق إليكم بعد قليل ستقف السيارة أمام المطعم، وسأختار الدجاجة التي تليق بأفواهكم الحلوة) تلك أضواء المطعم تبدو واضحة من هنا. أما أنت أيتها الصابرة المتعبة ما الذي يخطر ببالك الآن؟.. أعلم بما ترددينه، إنني أحفظ كلماتك تماماً (ارحم نفسك يا رجل، فالعمر لا يتسع لكل هذا الذي تفعله، قلل ما استطعت من هذا الذي تشربه) يبتسم في سره (لقد قلت لك مراراً إن الأمر ليس ضاراً إلى الحد الذي تتصورينه، لقد كان الشراب صديقاً لايفارقني كل ليلة، وأكيد سيأتي يوم أفارقه فيه على مضض، فإما هو، وإما الطعام، لن يكون هناك مجال للاختيار).‏

قبالة المطعم وقفت السيارة قطع الشارع نحو الجهة الثانية مسرعاً، وهو يزرر سترته، أحس بوخزات البرد تتوزع جسده فرك يديه وهو يخاطب عامل المطعم، أن يهيِّئ له لفافة الطعام.‏

كان عليه أن يقطع طريقاً (طويلة) بعض الشيء إلى البيت، مد بصره إلى ساعته، رآها تتجاوز الحادية عشرة هذه الرحلة الليلية طالما أتعبته، هناك خيوط خوف بدأت تتسلل إلى أعماقه، خوف غامض لم يعهده من قبل. تراءى له الطريق بلا نهاية، كأنه يراه للمرة الأولى (لم هذا الخوف؟.. هذا شعور غريب لم أألفه من قبل، ربما هو الشراب، ولكن يبدو أن الأمر حقيقة لقد بدأ الخوف يغرز دبابيسه في عروقي).‏

توغل في الشارع وهو يغمغم بكلمات أغنية قديمة كان يحاول أن يسمع صوته بوضوح، رفع بصره نحو السماء، كانت قطع الغيوم الداكنة تتحرك في مسارات مختلفة، عاد ليلتفت إلى الجهة الأخرى من الطريق، كانت مناظر الحقول التي تحاذي الشارع داكنة كئيبة، وهي أيضاً مهجع موحش يُؤوي الكلاب السائبة، في هذه اللحظات يبدو الشارع مظلماً، إلا من خيوط نور شاحبة وبعيدة، يزيد في قسوة الطريق خلوه من المارة في هذه الساعة من الليل، أصوات نباح كلاب تعكر صمت المكان، وسكونه القلق، أسرع في سيره، قال يخاطب نفسه، (إنها حالة من الانفعال لم أعهدها من قبل، ما هذا؟.. إنها مجموعة من الكلاب تتجمع لتقطع الطريق علي، هاهي تقترب نحوي رويداً رويداً، كما لو أنها كانت بانتظاري، ترى هل تشممت رائحة الطعام؟). في هذه اللحظات، سمع صوت صفارة حارس ليلي، بدت له بعيدة كأنها آتية من عالم آخر، يالها من لحظات غريبة، راحت السكرة، وجاءت الفكرة تذكر، وهو في قمة خوفه وقلقه، تلك الحادثة التي وقعت له وهو في السابعة من عمره، عندما هاجمه أحد الكلاب وأنشب أنيابه في ساقه، تذكر كيف كان العلاج مؤلماً مرهقاً(منذ ذلك التاريخ كرهت الكلاب، واليوم أيعقل أن يبعث بي الخوف وأنا في هذا الخريف من العمر؟.. لا خيار أمامي سوى أن أتقدم إلى أمام) فظن إلى أنه مطوق، فالكلاب تحيط به، هز يده بتصميم (شمّت رائحة الطعام. ولكن هيهات أن أفرط بعشاء الأولاد. إن أحبتي إياد وسهاد وميعاد بانتظاري الآن).‏

تقدم مسرعاً، لكن أحد الكلاب قفز من جانبه، كأنه يختبر شجاعته في تلك اللحظة ارتطم به كلب آخر، تقهقهر مأخوذاً إلى الجانب الآخر من الشارع، أطبقت يداه على لفافة الطعام توقف قليلاً كي يسترد بعضاً من أنفاسه اللاهثة. غمر الشارع نور مصابيح سيارة آتية نحوه، استبشر خيراً إلا أنها ما لبثت أن اختفت عند دخولها أحد الأزقة. فاضت نفسه بالمرارة (هذه ليلة لا تنسى. لا أحد في هذا الوقت يمكن أن يمد لي يد المساعدة، أين الناس؟.. أين حراس الليل؟.. في أي مكان أنا من هذا العالم المخيف؟ لا أحد سوى الكلاب.‏

لم يعد يفصلني عن البيت إلا مسيرة دقائق قليلة، مسافة لم تعد طويلة، التقط حجراً قريباً منه مضى ببطء يتقدم، لكن أحد الكلاب هاجمه وجهاً لوجه، تراجع بسرعة مذعوراً وإلى الخلف وهو يسدد له الحجر بكل قوته، حاول أن يلتقط حجراً آخر، إلا أن الكلب هاجمه بسرعة من دون أن يترك له فرصة لذلك، شعر بألم يخزه في ساقه.صرخ بكل صوته، في هذا الوقت رمى كلب آخر بثقله عليه، فقد السيطرة على نفسه. إنه يسقط بين الكلاب مذعوراً. ممزق اليد والساق، تدافعت عليه الكلاب، طرحته أرضاً، مزقت ملابسه وأجزاء من جسده، أفلتت يداه لفافة الطعام مكرهاً حاول الوقوف ثانية، تراءت له مجاميع الكلاب وهي تبتعد عنه، ولفافة الطعام بين أنيابها، يحاول كل كلب أن يستأثر لنفسه بالطعام، سريعاً نشبت، المعركة كانت ضارية وقاسية، النباح يملأ الجو ضجيجاً، أرسل نظرة بائسة، شملت المكان كله، خاطبها قائلاً: (تقاتلي تقاتلي، فربما كان في ذلك بعض عزاء لي).‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
بعض عزاء
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
cool :: منتدى التسلية :: منتدى الحكايات-
انتقل الى: